الغزالي

40

إحياء علوم الدين

الدار ، وقال لا تبعها . وشكا بعضهم كثرة الفأر في داره ، فقيل له لو اقتنيت هرا ، فقال أخشى أن يسمع الفأر صوت الهر فيهرب إلى دور الجيران ، فأكون قد أحببت لهم ما لا أحب لنفسي وجملة حق الجار أن يبدأه بالسلام ، ولا يطيل معه الكلام ، ولا يكثر عن حاله السؤال ويعوده في المرض ، ويعزيه في المصيبة ، ويقوم معه في العزاء ، ويهنئه في الفرح ، ويظهر الشركة في السرور معه ، ويصفح عن زلاته ، ولا يتطلع من السطح إلى عوراته ، ولا يضايقه في وضع الجذع على جداره ، ولا في مصب الماء في ميزابه ، ولا في مطرح التراب في فنائه ولا يضيق طريقه إلى الدار ، ولا يتبعه النظر فيما يحمله إلى داره . ويستر ما ينكشف له من عوراته ، وينعشه من صرعته إذا نابته نائبة ، ولا يغفل عن ملاحظة داره عند غيبته ، ولا يسمع عليه كلاما ، ويغض بصره عن حرمته ، ولا يديم النظر إلى خادمته ، ويتلطف بولده في كلمته ، ويرشده إلى ما يجهله من أمر دينه ودنياه . هذا إلى جملة الحقوق التي ذكرناها لعامة المسلمين وقد قال صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « أتدرون ما حقّ الجار ؟ إن استعان بك أعنته وإن أستنصرك نصرته وإن استقرضك أقرضته وإن افتقر عدت عليه وإن مرض عدته وإن مات تبعت جنازته وإن أصابه خير هنّأته وإن أصابته مصيبة عزّيته ولا تستعل عليه بالبناء فتحجب عنه الرّيح إلَّا بإذنه ولا تؤذه وإذا اشتريت فاكهة فأهد له فإن لم تفعل فأدخلها سرّا ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده ولا تؤذه بقتار قدرك إلَّا أن تغرف له منها » ثم قال « أتدرون ما حقّ الجار ؟ والَّذي نفسي بيده لا يبلغ حقّ الجار إلَّا من رحمه الله » هكذا رواه عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلَّى الله عليه وسلم . [ 2 ] قال مجاهد : كنت عند عبد الله بن عمر ، وغلام له يسلخ شاة فقال يا غلام ، إذا سلخت فابدأ بجارنا اليهودي ، حتى قال ذلك مرارا . فقال له كم تقول هذا فقال إن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم لم يزل يوصينا بالجار حتى خشينا أنه سيورثه .